| قوة الرسم |
|
|
|
|
اعلم أن الرسم موهبة أوجدها البارئ سبحانه وتعالى في أشخاص دون آخرين. فهي كالبذرة تولد مع ولادة الشخص، وتنمو مع نموه، وهو منها في حالتين : إما أن يهيئ لها الجو المناسب وينفس عنها فتنموا نمواً طبيعياً سليماً وقوياً. أو يهملها فيغتالها لتموت مع مرور الزمن، " فكلٌ ميسر لما خلق له". عندما توجد الموهبة تبدأ بالمحاكاة أولاً ، كالعود الذي يستند عليه الغصن الطري فهو يجاريه وينموا عليه، حتى يستقل بذاته ويشتد عوده ويصلبْ. يقول أديبنا الكبير توفيق الحكيم: ( يبدأ الفن دائماً بالنقل وينتهي إلى الأصالة ، يبدأ من المحاكاة وينتهي إلى الابتكار... منذ إنسان الكهوف الأول وحتى اليوم... بدأ الإنسان الأول يرسم على الصخور صوراً يحاكي بها أشكال الحيوان، ثم أخذ شيئاً فشيئاً يبتعد عن محاكاة الطبيعة إلى ابتكار أشكال من خلقه هو ومن صنع خياله و صميم وجدانه...)[1] فالبداية تكون دائماً في تقليد ومحاكاة الطبيعة أو بمحاكاة الفنانين الآخرين، وتقليد أعمالهم حتى وإن كان حرفياً ، فيكون بذلك خطى الخطوات الأولى في مشوار الخبرة والتمرس الفني، فيجعل هدفه الأول الوصول إلى مستوى أعمال الفنان ذلك الذي قلده واقتبس منه. حيث أن لكل موهوب مثل أعلى وشخصية فنية يطمح للارتقاء إلى مستواها. حتى يمر به الزمن الطويل، وتنموا معه الموهبة فيَصِلُ في إتقان أعماله وإجادتها إلى مستوى أولئك الفنانين الكبار. ويستقل بخطوطه وأسلوبه الجديد بعد ردح من الزمن. وعندما يتمكن المرء من هذه المرحلة وتصقل يده بالرسم عندها يستطيع أن يعبر عن مخيلته بكل يسر وسهولة. وفي كل مرحلة عمرية تتخذ رسومه منحنى جديد، وتقوى خطوطه بشكل أفضل ليستمر في مرحلة مهمة في حياة الفنان وهي التطوير والبحث عن الجديد. وأما من استقر في مرحلة معينة ولم يتطور بعدها فمصيره إلى الضعف والضمور، والفشل والانتكاس. فمن أهم أسباب قوة الرسم تميّز الفنان بأسلوب فريد وطابع خاص. هذا في مجال الفن عموماً. وفي مجال الكاريكاتير فهناك فنانين عظام استقلو بأسلوب وطابع مميز، يختلف كل واحدٍ منهم عن الآخر. فأي قارئ يستطيع بكل سهولة أن يميز مثلاً بين رسومات الفنان اللبناني الكبير " محمود كحيل" وبين رسوم الفنان المصري الرائع " مصطفى حسين" وبين رسوم الفنان السعودي" محمد الخنيفر". فلكل واحدٍ من هؤلاء أسلوب واضح وطريقة مميزة في الرسم والتلوين تختلف عن الآخرين. حتى أننا نستطيع فرز أعمال كل فنان على حدة والتعرف على صاحبها دون وجود أي توقيعات عليها .ومهما يكن من أمر، فإن المحاكاة والتقليد مطلوبيْن في أول المشوار الفني ، مذموميْن في آخره. [1] توفيق الحكيم. قالبنا المسرحي. من منشورات مكتبة مصر ص12. |




